Thursday, March 19, 2009

المناطق الرمادية في ممارسات العمل

آدم جونز
نقلاً عن صحيفة الإقتصادية - عن فاينانشيال تايمز
19/3/09

المناطق الرمادية في ممارسات العمال تعطي دروساً في المرونة في اتخاذ القرارات لزعماء الشركات المستقبليين. في الظروف السائدة هذه الأيام والتي تتسم بالفضائح وتوجيه التهم الجنائية في الشركات، هناك ميل إلى النظر إلى أخلاقيات الأعمال بمنظار الأبيض والسود.

غير وارد في حصة ميشيل أنتيبي Michel Anteby، الأستاذ الفرنسي المساعد في مادة السلوك التنظيمي في جامعة هارفارد، الحديث بحدة المنظور الأبيض والأسود، وهو المتخصص في دراسة الجوانب الرمادية الأخلاقية في مكان العمل.

يستند أنتيبي إلى دراسة مبتكرة أجراها على معمل لإحدى شركات صناعة الفضاء والطيران في فرنسا*، وهو متمكن من استكشاف المواقف التي يخالف فيها الموظفون قواعد الشركة بموافقة ضمنية أو صريحة من رؤسائهم.

يجادل أنتيبي بأن السلوكيات غير المستقيمة التي من هذا القبيل يمكن أحياناً أن تكون في صالح المنظمة، وهي نتيجة تتجنب اليقين القطبي، الذي لا يرى إلا الخير أو الشر، لعصر ما بعد مادوف.

الدراسة التي أجراها على صناعة الطيران درست تقليداً موجوداً في كثير من المعامل التي يأخذ فيها عمال كثير من المصانع المواد الخام التي تجلبها الشركة، لصناعة أشياء للاستخدام الشخصي أثناء وقت الشركة، وباستخدام أدوات الشركة.

المواد المذكورة المصنوعة في المعمل، مثل الهدايا التي تعطى للموظف عند تقاعده، والمصابيح، والكراسي الطويلة، والشمعدانات، هي أمثلة على ما يطلق عليه الفرنسيون كلمة perruques، التي تعني كذلك ’باروكة‘ (والمعنى المشترك في الكلمتين هو الإخفاء).

المسؤولون في المناصب الأعلى كان يغلب عليهم صرف النظر عن هذه الأمور، لأنها، بدلاً من أن تدمر سمعة الشركة، فإنها على العكس من ذلك تساعد في جعل القوة العاملة أكثر تماسكاً، من خلال تقديم منفذ للمزاج الفردي الذي لا يمكن أن يزدهر دائماً في العملية المحكومة بإجراءات صارمة في صناعة محركات الطائرات.

يقول أنتيبي: كانوا يكتسبون نوعاً من الهوية والاعتراف بصفتهم حرفيين. بالنسبة إليهم، فإن هذا يجسد طبيعتهم.

يضيف أنتيبي أنه فضلاً عن ذلك فإن هذه الممارسة تنطوي على عقد اجتماعي ضمني بين العاملين والمسؤولين، الذي كان يعني أن هؤلاء العمال المهرة كانوا يمتعون بقدر كبير من المرونة والإفادة أثناء الفترات التي تتسم بالانشغال الشديد في المعمل.

هناك منطقة رمادية أخرى حميدة نسبياً يتحدث عنها أنتيبي، وهو مأخوذة من الأحاديث التي تروى عن سلوك العاملين في أحد المتاجر العامة الأمريكية أثناء فترة التخفيضات.

تحت سمع وبصر الرؤساء، يأخذ العاملون المواد ذات القدر الأكبر من التخفيضات من مكان العرض في المحل ويقومون بتخبئتها في مكان آخر، حتى يقوموا بشرائها في مرحلة متأخرة من فترة التخفيضات (حيث يتم تخفيض الأسعار أكثر من ذي قبل)، وبذلك يستطيع العاملون التمتع بأكبر قدر ممكن من التخفيض في الأسعار.

يقول: يحصل الموظف على قطعة معينة بخصم ليس في حدود 30 في المائة، وإنما في حدود 70 في المائة ربما." ويضيف إن هذا النوع من السلوك يؤذي أرقام المبيعات بالنسبة لشركة التجزئة، ولكنه يجعل العاملين أكثر انغماساً في العمل.

بالنظر إلى النقائص التي تشوب العالم الذي يعمل فيه جميع المديرين، فإن هذا النوع من المقايضة يمكن أن يكون مقبولاً من قبل الرؤساء.

ولكن حين يقوم أنتيبي بالمساعدة في تدريس مادة القيادة والسلوك التنظيمي لطلاب السنة الأولى في قسم الماجستير في إدارة الأعمال في جامعة هارفارد، فإنه لا يسعى لإحداث انقلاب تام في النظرة التقليدية (التي تقول إن تلاعب الموظفين يجب التحذير منه).

حين يستعرض مع طلابه الأمثلة على المناطق الرمادية، فإن ما يهدف إليه أنتيبي هو السعي لجعل طلابه منتبهين للفروق الدقيقة في كل موقف، وبذلك يكتسبون فهماً أفضل للتوصل إلى قرار حول ما إذا كانت المرونة مناسبة في مقام معين حين يواجهون بأنفسهم مواقف معقدة ومتشابكة من الناحية الأخلاقية.

بالإضافة إلى ذلك، فهو يدرك أن المناطق الرمادية من النوع الذي كان يبدو أنه لا بأس به في معمل الطيران الفرنسي، يمكن كذلك أن تجعل المشاركين عرضة لاتخاذ إجراءات تأديبية بحقهم إذا تغير المزاج العام الذي يتغاضى عن هذا النوع من السلوك.

وهو يقول إنه لهذا السبب تنصح بعض الاتحادات الفرنسية أعضاءها بعدم صناعة الأشياء غير المصرح بها حتى ولو أن صاحب العمل تغاضى عنهم بصفة غير رسمية.

مشروع الأبحاث الحالي الذي يقوم به أنتيبي يكتسب سحره الخاص من الغموض الأخلاقي في عالم جديد، وهو تقديم الجثث للتدريب الطبي. وهو يدرس ما الذي يمكن أن يحدث في كلية الطب حين يدرك الأساتذة أنه لا توجد جثث كافية ليقوم الطلاب بتشريحها. فهل سيرغبون في الحصول عليها عن طريق طرف ثالث؟

هذه منطقة رمادية أخرى، وهي منطقة سيكون معظم المديرين شاكرين لو أن بإمكانهم تجنبها في حياتهم العملية.

No comments: